سيرة النبي محمد : كتاب للمستشرق الهولندي هانز يانسن
صلاح سليمان
2008/06/20
كتاب جديد اخذ مكانه علي ارفف المكتبة الالمانية، صدر في ميونيخ قبل اشهر قليلة عن دار نشر الكتب س.هـ.بيك ويقع في 491 صفحة ويباع بسعر 24,90 يورو، الكتاب اسمه الرسول محمد.. سيرة نبي للمستشرق الهولندي هانز يانسن والكاتب متخصص في اللغة العربية ولد في العام 1942 في هولندا وبعد حصوله علي الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة لايدن ذهب للعمل في مصر ثم عاد للتدريس في جامعة لايدن وحصل في عام 2003 علي درجة استاذ وهو يقوم الان بتدريس الاسلاميات في جامعة اوترخت بهولندا. وفي كتابه لسيرة الرسول الكريم حاول الكاتب سبر اغوار شخصية الرسول من بدايته وحتي قيامه بالدعوة الي الاسلام مركزا علي اهمية معرفة الجوانب الشخصية والدينية من حياة الرسول، لانه حسب اعتقاده يري ان هذا يعطي للانسان الغربي صورة عن الاسلام كافية وغير معقدة، خاصة ووفق اعترافه ان جوانب الاسلام المختلفة لا زالت غير معروفة للاوروبيين،ويجد في كتابة السيرة تبريرا كافيا لعدم الخوض في تفاصيل واصول الفقه والشريعة من منطلق ان ذلك سيكون صعبا علي الاوروبيين فهمه.يعترف الكاتب انه استند في معظم فصول الكتاب الي اول مرجع كتب عن سيرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وهو سيرة رسول الله لابن اسحاق الذي ولد في المدينة سنة 85هـ، 703م، وكان ابن اسحاق الذي قضي معظم حياته في المدينة قد بدأ بجمع كل ما يتعلق بالرسول من روايات واحداث بشأن كتابة اول سيرة عنه، حتي انتقاله الي بغداد في عام 115هـ الموافق 733م عندما وفر له الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور كل الدعم الممكن لان يتم سيرة الرسول كاملة. عند ذلك لم يأتِ هانز يانسن في الكتاب بجديد غير السرد والتطويل والتحليل لسيرة ابن اسحاق والتشكيك في بعض الروايات التي نقلها عن اخرين، وان كان ذلك ليس بجديد ـ ابن اسحاق نفسه كان قد ذكر في مقدمة كتابه ان الله وحده العليم بصحة الروايات ، ثم ان ابن هشام والطبري من كتاب السيرة بعد ابن اسحاق تحفظا ايضا علي بعض الروايات، لكن هانز يانسن يعود مرة اخري الي التأكيد علي ان الغرب اعتمد بشكل كلي في معرفة جوانب الرسول علي كتاب ابن اسحاق، وهو الامر الذي يجعلنا هنا ان نطرح سؤالا ـ ولماذا سلك المؤلف نفس المسلك؟ خاصة وان المستشرقين دأبوا علي التشكيك في كتاب ابن اسحاق للفترة الزمنية التي فصلت بين الكتاب ووفاة الرسول والتي قاربت 120 عاماً.لا يشكك يانسن في تاريخ ميلاد الرسول الذي هو 570 من التقويم الميلادي، ولا في صحة تاريخ هجرة الرسول من مكة الي المدينة الذي هو بداية التقويم الاسلامي، ولكنه لا يلبث ان يعود للتشكيك في انتقاء بعض الاحداث كزواج الرسول من السيدة عائشة او مجادلة اليهود للرسول محمد ومحاربته لهم وفي هذين الحدثين بالذات يقف المؤلف اسير روايات واستنتاجات غامضة ومشوهة وغير مؤكدة من الماضي، ولم يحاول التحقق منها بارجاعها الي القرآن الكريم او بالاستشهاد بآراء واستنتاجات علماء لهم مكانتهم في كل العصور القديمة والحديثة في مثل هذه الامور، غير انه اجاب علي ذلك في موضع اخر من الكتاب ان علماء الحداثة لا يستطيعون نقد النبي. لهذا وجد التبرير الكافي في ان ينحاز الي المشككين دون البحث في الامور التي وقع عليها الخلاف.وفي طرح آخر غير موفق من الكتاب يقول انه قصد من تفنيد روايات ابن اسحاق ودحض الكثير منها والتي تختص بالرسول الي انه حاول ان يقطع الطريق علي الاصوليين الاسلاميين والي استنادهم الدائم الي مثل هذه الروايات، وهو يرد بذلك علي نفسه لانه كما قلنا لم يأتِ بجديد، فقط قام كناقل لكتاب ابن اسحاق، ومن ثم التشكيك في بعض فصوله وهو امر ليس بصعب في الكتابة ولكنه علي ما يبدو استغل موضة الاساءة للاسلام من اجل الربح. وكان عليه ان يتصرف كباحث من اجل افادة القارئ.يتساءل اي قارئ لهذا الكتاب ولماذ ابتعد يانسن بنفسه عن الاستعانة بالقرآن الكريم الذي هو مبدأ العقيدة الاسلامية من تثبيت ونفي بعض من طروحاته وتشككه هذا بالضبط ما خدع به القارئ الغربي عندما قال في بداية الكتاب ان فهم شخصية محمد هو فهم للاسلام، ولكن نرد عليه بان هنا الفرق فالاسلام منهج ودين ومحمد رسول هذا الدين ثم ان مبرره في ان القرآن سيكون صعب الفهم والتأويل لا يعطيه الحق في الحكم علي الاسلام من واقع الروايات والقصص وان كان كما سبق هو نقل لسيرة ابن اسحاق مع التشكيك!! وكان عليه كباحث ان يسلك الطريق الصحيح في منهج البحث وهو الاستعانة بالقرآن الكريم ليحدد للقارئ معالم شخصية الرسول الكريم.. ولكن يبدو انه في غياب الرد علي مثل هؤلاء الكتاب في عالم عربي واسلامي غارق في نوم عميق يجعل المتربحين من تأليف الكتب عن هذا العالم النائم اكثر بكثير مما نتوقع.من المفيد ان تأخذ هذه الكتب مأخذ الجد عند العرب والمسلمين ويتم تفنيد ما يجيء فيها من روايات واحداث مشككة في الدين، ويتم الرد عليها بطريقة علمية وسليمة خاصة وانها تجيء ضعيفة من ناحية التعمق في الدين، فقد آثر المؤلف السابق الابتعاد في التطرق الي القرآن الكريم بحجة عدم فهم الغرب له.
صحافي من مصر يقيم في ألمانيا
ارسل هذا الخبر الى صديق بالبريد الالكتروني
نسخة للطباعة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق