الأحد، 30 يناير 2022

الحرب المرتقبة في أوكرانيا.. أسباب وتداعيات

الحرب المرتقبة في أوكرانيا.. أسباب وتداعيات!

فلاديمير بوتين

ثمة تداعيات خطيرة في الساعات الأخيرة تنذر بأن الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية بات وشيكا، ليس فقط في تواصل الحشود الروسية وتعزيز القوات الضاربة على  خط التماس بين الدولتين، بل أيضا في ما أقدمت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا من تخفيض لأفراد بعثتيهما الدبلوماسيتين في كييف، بينما حذرت فرنسا ودول الاتحاد الأوربي مواطنيها من السفر إلى أوكرانيا في الوقت الحالي.

هذا التوتر الشديد جاء بعد فشل المباحثات بين وزير الخارجية الروسي ونظيره الأمريكي بسبب إصرار كل منهما على موقفه بشأن أوكرانيا، فالروس وضعوا خطا أحمر طالبوا فيه القوى الغربية وحلف شمال الأطلسي (ناتو) بعدم تجاوزه، وطالبوا بالتخلي عن مد أوكرانيا بالأسلحة التي تهدد الأمن الروسي، وعدم نشر أي أسلحة نووية فيها، إضافة إلى رفض فكرة ضمها إلى الناتو!

ترفض الولايات المتحدة ودول الناتو هذه المطالب، بينما أمهلت روسيا الناتو بالرد كتابيا خلال خمسة أيام، فهم يرون أن روسيا ليس لديها حق الاعتراض على من يريد الانضمام إلى الناتو، ولا يحق لها أصلا التدخل في شؤون الحلف. من جهة أخرى، رفضت أيضا السويد وفنلندا من الدول غير الأعضاء في الناتو المحاولات الروسية لمنعهما من تعزيز علاقاتهما بالحلف.

لكن روسيا قدّمت عرضا جديدا بتوقيع معاهدة مع الولايات المتحدة لحظر نشر الأسلحة النووية خارج أراضي الدولتين، وعودة الناتو إلى حدود ما قبل عام 1997، وعدم التوسع باتجاه الشرق، وتقويض النشاط العسكري في شرقي أوربا، وسحب جميع القوات القتالية التابعة للحلف في جمهوريات البلطيق الثلاث، وعدم نشر صواريخ طويلة المدى في بولندا ورومانيا.

لم تُظهر الولايات المتحدة حتي الآن رغبة في الاستجابة للمطالب الروسية، بل قامت بتعزيز قواتها في الناتو بأكثر من ثمانية آلاف جندي، وإرسال عتاد وأسلحة إلى أوكرانيا، ولوحت بفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة في حال الغزو.

تصعيد بوتين

من جهتها، قامت روسيا أيضا بالتصعيد، ذلك أن بوتين يري أن استمرار الدعم لأوكرانيا استفزاز لن يخيفه ولن ينجم عن شيء، فقد حدث الشيء ذاته عام 2008 عندما ساندت الولايات المتحدة جورجيا في حربها مع روسيا التي انتهت بضم أجزاء إلى الأراضي الروسية دون الاكتراث بالتهديدات الأمريكية وقتها. ويمضي بوتين في طريقه لأنه يرى أن ميزان القوي الاقليمي في المنطقة لن يُعدّل إلا باستخدام القوة، وهو الطريق الوحيد للحفاظ على الأمن الروسي، وفض محاصرة قوات الناتو لروسيا عبر الشراكة مع الجمهوريات السوفيتية السابقة.

تصر روسيا على طمأنة الغرب في حال حصولها على رد كتابي حول مقترحاتها في الشأن الأوكراني، في حين تواصل الولايات المتحدة وحلف الناتو التجاهل.

الحقيقة أن عوامل التاريخ قد تكون هى الأكثر تفسيرا لهذه المشكلة، فالسيناريو ذاته حدث بشكل معاكس عام 1961، عندما كان الاتحاد السوفيتي في طريقه لنشر صواريخ نووية سرية في شبه الجزيرة الكوبية التي لا تبعد عن السواحل الأمريكية أكثر من 40 ميلا، ردّا علي نشر صواريخ “جوبيتر” الأمريكية في تركيا وبريطانيا وإيطاليا. وعندما اكتُشف المخطط السوفيتي فزعت الولايات المتحدة، وحاصرت السفن الحربية الأمريكية الجزيرة، وعاش العالم 13 يوما من الرعب النووي بعد إنذار واشنطن بقصف الجزيرة، واستطاعت الدبلوماسية أن تنتصر، وانتهت المشكلة بعقد لقاء في فيينا بين رئيس الاتحاد السوفيتي نيكيتا خروتشوف ونظيره الأمريكي جون كينيدي عام 1962، اتُّخذ فيه قرار فك الصواريخ السوفيتية وإعادتها إلى موسكو مقابل سحب صواريح جوبيتر من تركيا وأوربا. فهل يكرر التاريخ نفسه وتحدث انفراجة سلمية قبل الدخول في الحرب؟

قدَر أوكرانيا

الوضع قد يكون مختلفا عن عام 1961، فأوكرانيا مرتبطة ثقافيّا وجغرافيّا ولغويّا بروسيا، بل إن روسيا تدعم الانفصاليين في أوكرانيا، ومنذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 أجرى الانفصاليون الموالون لروسيا استفتاء لإعلان الاستقلال عن أوكرانيا في منطقتي دونيتسك ولوهانسك شرقي البلاد، ومُنح 500 ألف مواطن جوازات سفر روسية في أوكرانيا، بما يعطي ذلك شرعية للتدخل الروسي لحماية مواطنيها حال تعرّضهم للخطر.

وبغض النظر عن الصراع السياسي بين الولايات المتحدة وروسيا، فإن قدَر أوكرانيا أن تكون دائما في صدارة مشهد هذا الصراع. فمثلا، يرى مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيجنيو بريجنسكي  أن روسيا لا يمكن أن تكون إمبراطورية من دون أوكرانيا، وهي حقيقة تعرفها موسكو، فقد كانت أوكرانيا هي ثانية أقوى الجمهوريات في الاتحاد السوفيتي السابق.

ويدرك بوتين أن منطق القوة هو العامل الوحيد لفض النزاعات المهددة لأمن الدول، وهو ماضٍ في طريقه، خاصة أنه يمتلك قدرات عسكرية متطورة تسمح له بالحسم دون خوف من العقوبات الغربية، ففي الوقت الذي انشغلت فيه الولايات المتحدة بالصين عدوّا أول لها كان يتم تعزيز القدرات الروسية العسكرية بشكل كبير.

أوربا منقسمة حيال الرئيس بوتين، ومن العدو الأول الصين أم روسيا؟ وتكشف تصريحات قائد البحرية الألمانية (كاي إخيم شوينباخ) جزءا من هذا الانقسام، فهو يرى أن العداء مع الرئيس الروسي خطأ لأن العدو هو الصين، وقال في تصريحات على هامش زيارة له إلى الهند، إن شبه جزيرة القرم انتهت ولن تعود أبدا إلى أوكرانيا، ووصف الرئيس بوتين بأنه يستحق الاحترام، وهي تصريحات أدت إلى ضغوط ألمانية شديدة عليه، اضطرته إلى الاعتذار وتقديم استقالته، لكنه قال كلمة تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها!

إذَن، ما الذي يمكن أن تفعله أوربا في حالة الغزو؟ بالتأكيد ستكون العقوبات الخيار الوحيد، ورغم فشلها سابقا فإنها قد تكون حاليا أكثر قسوة، إذ ستكون المرة الأولى التي تعمل على فصل النظام المصرفي الروسي عن نظام الدفع السريع الدولي. بالإضافة إلى منع تشغيل خط أنابيب الغاز الروسي “نورد ستريم 2” في ألمانيا، وهو أمر -وفق الاتفاق الأمريكي الألماني- جاهز للإلغاء في حال استخدمته روسيا ورقة ضغط سياسي، أيضا قد تكون هناك إجراءات جديدة تستهدف صندوق الثروة السيادي الروسي، أو فرض قيود على البنوك التي تحوّل الروبل إلى عملات أجنبية.

المصدر : الجزيرة مباشر

Editor

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق