الثلاثاء، 1 يناير 2008

ثقافة الخوف عند المصريين - القدس العربي

ثقافة الخوف عند المصريين! 

2008/06/19


 ثقافة الخوف تلازم المصري حتي وهو يعيش في اعتي الدول الديمقراطية، ونعني هنا ما يمكن تسميته بثقافة الخوف الامني اي الخوف من الشرطة ورجال الامن، علي الاقل هذا ما بدا لي واضحا وجليا من مراقبتي لسلوك كثيرين نشأوا وترعرعوا في اتون الدول القمعية ثم هاجروا بشكل او بآخر للعيش في دول اوروبا الديمقراطية، التي تحترم شعوبها وتعزز لديهم الشعور بالكرامة وبالديمقراطية وبأن الحاكم خادم للشعب، لا كما يحدث في الدول القمعية التي لا تتواني عن اهانة الشعب وقمعه واذلاله، وتعالي الحاكم علي الشعب، وتأليهه من قبل جوقة النفاق المحيطة به.ان التقارب بين الشعب والسلطة يولد كثيرا من الثقة لدي الشعب في رفع رأسه والاعتزاز بكرامته في الحصول علي حقوقه ومكتسباته دون خوف او وجل ودون تزلف ونفاق، ولان الشعوب الديمقراطية تأتي بالحكام فيبقي ذلك دينا في رقبة الحاكم تجاه الشعب يجعله يشعر بفضل الشعب عليه علي عكس ما يحدث في البلاد المقموعة فإن الحاكم الذي يأتي يبقي لديه شعور دائم بأن علي الشعب دائما أن يشعر بفضل الحاكم الذي قبل وتولي امره.صورة خاطئة ومعكوسة تجعل الحاكم ـ الفقير في حكمه بالفكرة وبالقرار وبالارادة ـ يبدأ في تحصين نفسه بثلة من القوانين الاستثنائية والاحكام العرفية وقوانين الطوارئ التي تجعل من شعبه شعبا خائفا مهزوزا مذعورا مرعوبا. هكذا رحت اراقب طابور المنتظرين من المصريين امام ضابط الجوازات في مطار القاهرة. عقدة الخوف متحكمة في الناس، يعطي الفرد منهم جواز سفره لضابط المطار وهو يتمتم بآيات من القرآن الكريم او الادعية الدينية وما ان يمر بسلام حتي يعود الي التمتمة امام مأمور الجمارك. صورة لانسان مهزوز، يجب الا تحدث مطلقا في وطن! لم ارها علي الاطلاق في المطارات الاوروبية للمواطنين الاوروبيين الذين يكونون حتي في البلاد القمعية اكثر ثقة من اهلها، حكي لي احد الاصدقاء انه ومنذ حصوله علي جنسية احدي الدول الاوروبية يتم احتجازه في مطار القاهرة لسبب غير معلوم طبقا لمزاج الامن، رغم السماح لزوجته الاجنبية بالمرور! ولا يعلم لماذا! رغم السؤال الدائم عن ذلك. ويبقي الامر المضحك انه في بلده مشكوك فيه اما الزوجة الاجنبية فهي تلقي الترحاب اكثر منه.قبل عدة شهور ذهبت مع صديق إلي مكتب بريد يقع في وسط مدينة ميونيخ وفوجئنا بمحافظ ميونيخ كريستيان اوده يقف في الطابور كأي فرد عادي، وليس هناك اكثر من ابتسامة او تحية يتلقاها من فرد هنا او هناك، وعند ذلك نظر الصديق نظرة استغراب وقال: وأين الامن الذي يرافقه؟ ثم اصر علي توثيق هذه الفرصة دون شعور منه بخلفية الهاجس الامني والاقتراب من المسؤول كما اعتاد في مصر، واعطاني هاتفه المحمول وأصر علي التقاط صورة مع المحافظ وسط ترحاب شديد من الرجل.. انظر إلي رحلات المحافظين في بلادنا واندماجهم مع الشعب!قصص عديدة وكثيرة تؤكد هنا علي ان اعطاء الثقة بالنفس والمحافظة علي اعطاء المواطن حقوقه من الأمور التي من شأنها ان تساعد علي بناء انسان قوي وواثق من نفسه، ومن واجبات الدولة لان انسانا قويا واثقا سيكون سندا لدولة قوية وواثقة.منذ عدة سنوات تأخرت طائرة مصر للطيران المتجهة إلي المانيا ولم يعطنا احد اي سبب للتأخير وتململ بعض الركاب وغضب البعض الاخر، وظللنا اسري مقاعد الطائرة ننتظر! وبعد قليل ابصرنا من نوافذ الطائرة كوكبة من العربات السوداء تقترب من الطائرة، ومن وجوه الذين صعدوا إلي الطائرة كان واضحا انه وفد برلماني برئاسة الدكتور سرور رئيس مجلس الشعب.. لم يفصلنا عن الدرجة الاولي التي جلس فيها الوفد الرفيع الا ستارة رقيقة سرعان ما قام اعضاء الوفد بازاحتها بعد اقلاع الطائرة، وتجمعوا في ردهة الطائرة الضيقة وراحوا في نقاشات باصوات عالية متجولين في ممرات الطائرة دون توقف، وكانت بالفعل لحظة نادرة لمشاهدة البرلمانيين المصريين الذين يشرعون للدولة كيف يتناقشون ويتصرفون.. كانوا ممتلئي الاجسام يدخن بعضهم في اماكن ليست للتدخين دون مراعاة لذلك، حتي هبت احدي الالمانيات من ركاب الطائرة معترضة علي التدخين بكل ثقة وبكل ادب.. اما المصريون علي الطائرة فقد اكتفوا بالمراقبة وبالهمس، ولم يحاول احد الاقتراب من المسؤولين طالبا صورة او محييا، ورغم ضيق الطائرة فان نوعا من الانسجام او التقارب بين ركاب الطائرة الذين اغلبهم من المصريين واهل الحكم لم يحدث، انها نفس الانعزالية بين الحاكم وممثليه من جهة وبين الشعب من جهة اخري والتي قد تجدها في اي مكان اخر علي ارض مصر، وفي نهاية الرحلة كانت الصحف والمجلات ملقاة علي ارض الطائرة تحت اقدام الوفد الرفيع دون نظام او تنظيم.كثيرا ما كنت احسد الالمان علي هذه الثقة الكبيرة التي لديهم، والتي لم تأت من فراغ انما من حكم ديمقراطي كامل، ووقوع الحكومة كاملة تحت رقابة برلمان الشعب من قبل البوندستاغ، وكثيرا ما اطاحت الفضائح برجال مهمين استغلوا اموال الشعب او استهانوا به، لقد تمت الاطاحة بالعديدين... استقال علي سبيل المثال شاربينغ وزير الدفاع الاسبق عندما استخدم طائرة من سلاح الجو الالماني لزيارة عشيقته في فرانكفورت، ولم يستطع مواجهة موجة الغضب في كيفية استخدام طائرة مملوكة للسلاح الجوي في شأن خاص، كما لم تتوان الحكومة الالمانية في دس 5 ملايين يورو في جيب عميل سري استطاع سرقة س دي من احد البنوك في امارة ليشتنشتاين لكشف المتهربين من الضرائب، وكان احدهم رئيس شركة التيليكوم والذي اطاحت به الفضيحة. هذه دروس للشعوب حتي تتولد لديها الثقة بالنفس وتعرف انها تعيش في كنف نظام قوي يعمل لمصالحها لا لمصالحه.

صلاح سليمان المانيا 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق