الخميس، 20 يناير 2022

الكتاب المطبوع في المانيا لازال يحظي بالشعبية الطاغية صلاح سليمان (ميونيخ)

http://www.jehat.com/ar/AljehaAhkhamesa/Pages/18-3-12-1.html


صلاح سليمان
(ميونيخ)

الكتاب المطبوع في المانيا لازال يحظي بالشعبية الطاغية: لازالت القراء بشكلها الكلاسيكي في المجتمعات الأوروبية تحظي بمكانتها الرفيعة بالرغم من الطفرة التكنولوجية الكبيرة التي يعيش فيها العالم الآن والتي أثمرت عن إنتشار الكتاب الإلكتروني في الأسواق بشكل واسع في فترة السنوات القليلة الماضية، إذ أن عادات الأوروبيين لم تتغيربعد في شراء الكتاب المطبوع او الصحيفة المطبوعة.
في المانيا التي يُعتبر شعبها من اكثر شعوب العالم إقبالاً علي القراءة، لازالت قراءة الكتاب المطبوع فيها تقف علي مركز صدارة مبيعات الكتب، ولم يتخلي الألمان بعد عن عاداتهم اليومية في قراءة الصحف المطبوعة والتي لايمكن فصلها عن نشاطهم اليومي.

الأوروبيون والألمان بصفة خاصة لا يترددون عن استثمار اوقات فراغهم القصيرة التي تتخلل يوم عملهم في القراءة،فالكتاب صديق ورفيق لهم علي الدوام.
القراءة عندهم ليس لها وقت ولا مكان محدد فهم يقرأون في المواصلات العامة والخاصة، في الحدائق والمتنزهات،في اوقات الإنتظار في عيادات الأطباء وفي المتاجر وفي كل مكان يتيح الفرصة للقراءة.

من المعروف كذلك أنه قلما يخلو بيت من بيوت الألمان والأوروبيين من وجود مكتبة شخصية، حتي ان الكثيرين يعتبرون وجودها في المنزل كقطعة ديكور ثابتة تشير الي ثقافتهم.
يرجع اصل هذه الثقافة الكبيرة في الإهتمام بالقراءة الي إهتمام الدولة بإنشاء المكتبات ومن ثم المحافظة علي القديم منها، فالكتبات الشهيرة القديمة في المانيا وحدها يقدر عددها بالفي مكتبة تتنوع فيما بينها بين مكتبات عالمية وجامعية ومكتبات تابعة للكنائس والمتاحف والمدارس وأخري تابعة للولايات والمدن الكبيرة اضافة الي المكتبات المتخصصة في العلوم او الآداب.
في المانيا تحظي المكتبات بشكل عام بإعجاب الرواد ليس فقط من أجل ما تحمله علي رفوفها من كتب وأمهات المراجع، لكن ايضااعجابا بتصميمها الهندسي الآخاذ الذي يحافظ في الغالب علي طابعها المعماري القديم والذي يعتبر تحفة بنائية، او كذلك في نظام الخدمة المريح والنظام المكتبي المتقدم،بل وربما ايضا لذلك الهدؤ الشديد الذي يخيم علي المكان مما يساعد علي التركيز والتحصيل.

تشتهر المكتبات الآلمانية عادة بالمناخ المساعد علي التحصيل فبجانب النظام فان المقاعد وثيرة ومريحة وصحية تساعد بشكل كبير علي الجلوس لفترات طويلة حتي لايمل الأفراد من القراءة.
المكتبات في ألمانيا يجمعها اتحاد يطلق عليه الإتحاد الألماني للمكتبات ومقره في برلين، من أهم أعماله القيام بربط المكتبات بالمجلس النيابي الألماني والوزارات الألمانية المعنية وبالجهات العالمية التي تهتم بالثقافة،ورغم كل هذا الاهتمام بالكتب والمكتبات ومحاولة تحسينها وتوفيرها في المجتمع إلا ان المتحدث باسم رابطة الكتب والمكتبات يري بأن صورة المكتبات لدي الشعب الألماني في حاجة الي التحسين والتطوير والتميز انطلاقاً من اهمية الدور الثقافي والعلمي الذي لايمكن الإستغناء عنه لدي افراد الشعب الألماني.

أحد أهم المكتبات الألمانية الهامة التي انشئت في عام 1754 هي جامعة توبنجن في ولاية سكسونيا،ان زيارة المكتبة تعطينا فكرة عن صورة الثقافة في تلك البلاد فالمكتبة الضخمة تبدو من بعيد وكأنها مبني اثري، فالمبني ينتمي الي الطراز القديم في المعمار أما في الداخل فإن مجموعات الكتب والمخطوطات الموغلة في القدم تأخذك الي عصور الفلاسفة وأدباء المانيا القدماء حيث تعيش مع أدبهم وكتاباتهم لحظات من المعرفة الحقيقية. هنا نعرف ان جوتة اعظم شعراء المانيا كان من المترددين الدائمين علي تلك المكتبة، ويقال انه استعار مجموعة من الكتب ونسي ان يعيدها لمدة قاربت علي الأربع سنوات، إلا أن مدير المكتبة توجه اليه وطلب منه استرداد الكتب وهو الأمر الذي اعطي للمكتبة شهرة في الحفاظ علي ما تحتويه من كتب ومجلدات.

تحتوي المكتبة بين اركانها علي أكثر من اربعة ملايين ونصف المليون مجلد في مختلف افرع المعرفة، كذلك فإن شهرة هذه المكتبة ايضا تعود الي انها تعرض اول كتاب تم طباعته في العالم وهو الإنجيل المقدس الذي طبعه مؤسس الطباعة ومخترع اول مطبعة في العالم "جوتنبرج" في عام 1455 وهو يتكون من مجلدين يضمان 1282 صفحة.
المكتبة كذلك مزودة ايضا بقسم خاص لترميم الكتب وتجليدها ومركز لدمج محتويات الكتب التاريخية النفيسة وتحويلها الي مواد وبيانات الكترونية يمكن استعمالها بواسطة الكومبيوتر.

ايلاف
2012 الجمعة 2 مارس

الأربعاء، 19 يناير 2022

برامج كوميديا الرعب في رمضان: إفلاس فكري أم تعبير عن الواقع ؟http://ar.theasian.asia/archives/36367

كاتب المقال : صلاح سليمان

كاتب المقال : صلاح سليمان

باتت ثقافة الموت والخوف جزءً من حياة الناس في العالم العربي، نتيجة لبيئة الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة ، حتى أنها أصبحت السمة الرئيسية التي ميزت الكثير من برامج رمضان لهذا العام في كثير من القنوات الفضائية العربية لاسيما المصرية.

كل البرامج والدراما الرمضانية حملت سمات الرعب والموت والخوف والقتل، حتى البرامج الفكاهية التي تسعى لإضحاك الناس لم تسلم من ذلك العنف، مثلا برنامج ” رامز مجنون رسمي” هو برنامج تقوم فكرته على محاولة إضحاك الناس بممارسة تعذيب الضحية، قد لإيكون التعذيب فعليا، لكن الفكرة في حد ذاتها أن تبحث عن حيلة التعذيب للإضحاك هي فكرة مخيفة ومرعبة ، فاي نوع من البشر هذا الذي سيضحك علي صراخ الضحية وهو يتوجع ويتأوه من التعذيب.

إن فكرة الاحتيال علي الضحية بالعنف فكرة بائسة، وغير ناضجة فنيا ولا مهنيا، وتؤكد أن هناك فقرا كبير في أبداع الكوميديا  المعاصر، علاوة على ذلك كل البرامج المضحكة الأخرى، مثل برنامج حد فاهم حاجة، وبرنامج فيفي عبده وهو أتفه البرامج الكوميدية على الإطلاق، صراخ، وعراك، وصفع بالأيدي، أما برنامج “كريزي تاكسي” رغم وجاهة الفكرة التي يحاول مقدم البرنامج أن يتقمص فيها أدوار أشخاص من واقع المجتمع المصري،  إلا أنه أيضا يحاول استفزاز الضحية عن طريق الاشتباك باليد.


رامز مجنون رسمي: بؤس كوميديا الرعب

للأسف إن أي محاولة للإضحاك على حساب مشاعر الخوف والرعب التي يبذل المقدم فيها جهدا باستخدمه أسلوب الوقاحة لإثارة الضحية هي فاشلة، لأن استخدام الذكاء في نصب الفخاخ حول الضحية هي الأجمل، أما تغييب العقل في خلق محاورة مضحكة بين المقدم والضيف على غرار ما نشاهده في القنوات الأوربية فهو أمر مهين .

 لكن لماذا تشترك كل الكوميديا في هذا العنف المبتذل ؟ ولماذا الإصرار عليها رغم كل الانتقادات التي وجهت لتلك البرامج؟

لا شك أن خلفية كل هذا العنف الذي نراه ما هو إلا انعكاس للواقع اليومي لحياة الإنسان العربي، فالعنف و الموت يشكلان لوحة يومية في حياته، ألوانها مخضبة بدماء  الحروب التي لاتتوقف، وأجساد ضحاياها المشوهة من جراء التعذيب بأسواط الجلادين في السجون والمعتقلات. لوحة أبدع كل الطغاة، وقساة القلوب، ومنعدمي الضمير، في تشكيل تقاطعات خطوطها، فزادوا من قتامتها وبشاعتها. فانعكس ذلك فعليا على حياة الإنسان وفنونه وأحلامه وصناعته وتجارته.

أتذكر أنني شاهدت معرضا فنيا في ميونيخ عن أفغانستان، ورأيت كيف أثرت الحرب في وجدان  الفنانين  الأفغان، فجاءت كل  فنونهم  تحمل صور للحرب، حتى أن السجاد الأفغاني المعروف كان يحمل صور دبابات وبنادق ، وكل لعب الأطفال الفنية كانت عبارة عن مسدسات وآليات عسكرية.

وكنت شاهدت أيضا معرضا لرسومات أطفال سوريا وفلسطين، وكانت كلها أيضا عن طائرات تقصف مدن من الجو، وعربات إسعاف، وقوارب اللاجئين في عرض البحر.

إن هذه الفنون المرتبطة بالموت تذكرنا بمشاهد فنون الموت في العصور الوسطى في أوروبا، والتي ولدت من رحم الحروب، والنزاعات الطائفية الدينية، والأمراض والأوبئة التي فتكت بملايين البشر وقتها، واستمرت مرتبطة بحياة الناس حتى عام 1770 .

أشهر اللوحات المعبرة عن تلك المرحلة هي لوحة “رقصة الموت ” الموجودة في دير “مانج” في ولاية بافاريا،  والتي رسمها الفنان الألماني جاكوب هيبلر في سنة 1602 بطلب من رئيس الرهبان في دير “مانج” آنذاك، واللوحة مقسمة إلى 20 قسما في كل قسم منها صورة للموت الذي يجسده هيكل عظمي وقد أمسك بيده شخص من شرائح المجتمع المختلفة، يرقص معه، مستدرجاً إياه ليترك الحياة الدنيا ويرحل معه إلى النهاية المحتومة،

فيها أيضا صورة الهيكل العظمي وهو يرقص مع البابا، ثم أحد القياصرة، ورجل أرستقراطي، وآخر من عامة الشعب ثم طفل وأمه حتى نصل إلى رئيس الرهبان في الدير.

 فكرة هذه اللوحة جاءت من كثرة أعداد الموتى في ذلك الوقت، وكان الهدف منها هو الإيحاء بأن الموت رفيق الإنسان ، ويجب عدم الخوف أو الذعر منه بعد أن فتك بملايين الأوروبيين من جراء الحروب والأمراض والفقر.

كانت هذه الفترة من التاريخ الألماني قد امتلأت بلوحات الموت التي تشكلها الهياكل العظمية الموضوعة في توابيت خشبية، وكانت تعتبر كذلك ذكرى للموتى وللفناء الإنساني، وبأن الموت لا ينفصل عن الحياة.

في بداية القرن التاسع عشر كانت فنون الموت قد توقفت، ويمكن رصد ذلك في كثير من اللوحات التي رسمت في تلك الفترة، فقد اختفي منها تماما موضوع الموت، و ابتعد عن حياة الإنسان، أما على صعيد الحياة اليومية  فقد فقدأهميته أيضاً، فصحة الإنسان بدأت في التحسن بفضل التقدم في علوم الطب واكتشاف الكثير من العقاقير التي نجحت في شفاء الكثير من الأمراض، ومن ثم بدأ متوسط عمر الإنسان الأوروبي في الارتفاع.

عودة الموت إلى الفنون مجددا في الوقت الحالي  لا تخطئه العين ، وكل هذه البرامج التي نشاهدها ما هي إلا ترجمة حقيقة لشعور الإنسان الخائف المرعوب ، فهناك من يصرون على وضع فيديوهات مرعبة على اليوتيوب، لأعمال قتل أو انتحار مرعب، وهناك أفلام داعش التي تفننت فيها وفي تصوير القتل والإعدامات لبث الرعب في النفوس ، وليس ببعيد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة أمام الكاميرا.

حتى هنا في ألمانيا فإن الحركة الفنية تحاول مجددا أن تعيد فن الموت إلى الساحة الفنية، فمثلا نرى أن الفنان الألماني جريجور شنايدر يعتزم تصوير إنسان يلفظ أنفاسه الأخيرة في غرفة خاصة قام هو بتصميمها، من أجل أن تصبح فكرة الموت عادية وتخرج من المحرمات في ظل الصرعات العالمية المحتدمة والهجرة غير الشرعية عبر البحار وآلالاف الأموات من جرائها يوميا.

 لا أحد يعرف إلى أي مدى يمكن أن يتطور هذا الفن في عالمنا العربي، لكن بات من المؤكد أنه أصبح جزءا من حياة الناس كما كان في وقت الإغريق، والرومان في الصور الوسطى . ومن المؤكد أن محنة كورونا ستضيف فصلا جديدا من فصول الخوف والموت إلى فنون الرعب الإنساني وكأننا في سباق مع الزمن للعودة إلى العصور الوسطى!!

الثلاثاء، 18 يناير 2022

الحي القديم في وارسو عاصمة بولندا




 

ألمانيا أول دولة صناعية خالية من الطاقة النووية مطلع العام الجديد!  

صلاح سليمان

3/1/2022-|آخر تحديث: 3/1/202208:00 PM (مكة المكرمة)

مع آخر أيام العام المنقضي، تحديدا يوم الجمعة 31 ديسمبر/كانون الأول، أوقفت ألمانيا العمل في 3 مفاعلات نووية أخرى، وهي نصف القدرة النووية المتبقية لديها في الوقت الحالي، على أن توقف آخر ثلاثة مفاعلات متبقية قبل نهاية عام 2022.

إذن أصبحت ألمانيا بذلك أول دولة صناعية كبرى تحسم الأمر، ففي سنة 2011 قرر البوندستاغ (البرلمان) وقتها بأغلبية كبيرة التخلي النهائي عن استخدامات الطاقة النووية بحلول العام 2022.

وجاء هذا القرار بعد فترة وجيزة من كارثة انفجار محطة فوكوشيما اليابانية في مارس سنة 2011، عندها قررت الحكومة الألمانية الاتجاه إلى استخراج الطاقة الآمنة لتجنب الكوارث، وبدأت بإغلاق المفاعلات السبعة عشر المنتشرة في أراضيها واحدا تلو الآخر.

انفجار تشيرنوبل

عرفت ألمانيا قبل ذلك التاريخ -وتحديدا سنة 1986 عندما انفجر مفاعل تشيرنوبل في الاتحاد السوفيتي السابق- حجم الكارثة التي يمكن أن تدمر أي بلد يعتمد على إنتاج الطاقة من المفاعلات النووية، أيضا تشكّل وقتها في كل البلدان الأوربية صوت معارض قوي ضد الخطر النووي. وفي ألمانيا وصل عدد المعارضين من الشعب إلى الثلث رافضين إقامة أي مشروعات نووية مستقبلية في البلاد، بجانب مشكلة أخرى كبيرة وهي أماكن دفن النفايات النووية. ففي ألمانيا يقومون بالدفن في أعماق بعيدة بباطن الأرض تكلف الكثير من الأموال، أو تُرسَل إلى الدول الفقيرة للدفن هناك مقابل المال، وهو الأمر الذي كان يرفضه دائما ناشطو البيئة.

ستخسر ألمانيا بإيقاف هذه المفاعلات نحو 4 غيغاوات، أي ما يعادل الطاقة التي تنتجها 1000 توربينة هواء، وهو ما يستدعي من الحكومة تعويض هذا النقص بشكل عاجل، فهل ستنجح في ذلك وسط متغيرات سياسية وأزمات عالمية وتهديدات بتوقف إمدادات الغاز الروسي على خلفية الخلاف مع روسيا بشأن الأزمة الأوكرانية؟ لن يكون أمام ألمانيا إلا التسريع في الخطة الطموحة للطاقة المتجددة التي وضعتها من قبل، وهي الانتهاء من بناء 1500 توربينة رياح كل عام مقابل 450 في الأعوام الماضية. بالتأكيد لن تكون هناك مشكلة، فألمانيا لديها إمكانات هائلة في هذا المجال، لكن قد يكون العائق الوحيد هو المعارضة الشعبية والاحتجاجات على التوسع في إنشاء التوربينات الهوائية وألواح الطاقة، لآنه يأتي على حساب الشكل الجمالي للمدن، وأيضا المحاصيل الزراعية التي يتم استبدال ألواح الطاقة الشمسية بها.

خطوة رائدة

لا شك أنه قبل عقدين من الزمن بدأت ألمانيا خطوات رائدة في مجالات الطاقة المتجددة، فأعطت أولوية قصوى لها، وتوسعت في تشييد المحطات الأرضية التي تغطت بألواح الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء على حساب المَزارع التي تنتج الحبوب، وتحول قرويون إلى إنتاج الطاقة بدل الزراعة، وقد رأيت إحدى المَزارع التي تبلغ مساحتها 11 ألف متر مربع، وكيف تحولت إلى إنتاج الطاقة عندما تم نشر الألواح الزرقاء علي كامل المساحة، بينما أخبرني كثير من القرويين بأن عائد الطاقة الشمسية أكبر بكثير من عائد الإنتاج الزراعي والألبان.

ستلاحظ ذلك عندما تسافر بالقطار عبر الربوع الألمانية، آلاف المزارع مغطاة بألواح الطاقة الزرقاء، حتي إن بعض المواطنين الآن يطالبون الحكومة بالتدقيق في إعطاء التصاريح حتي لا تضعف ألمانيا زراعيا. المشكلة أن الطاقة النظيفة هذه لن تكفي ألمانيا، وحتى يتم الاكتفاء الذاتي منها ستعتمد جزئيا على الوقود الأحفوري لتغطية العجز بعد توقف العمل في تلك المفاعلات. وهنا يجب الإشارة إلى أن الوقود الأحفوري سيتسبب -بلا شك- في ارتفاع نسبة ثاني اكسيد الكربون، مما يتعارض مع الخطة الحكومية التي قالت إنها ستعمل على انخفاض نسبته خلال عامَي 2022 و2023، لكن الطموح لدى الحكومة الجديدة يرى أنه يجب لنسبة الكهرباء المستخرجة من الطاقة المتجددة أن تبلغ 80% في غضون السنوات القليلة المقبلة.

المغامرة

هل هي مغامرة ألمانية قد تُعرّض الحكومة لسخط شعبي في حال ارتفاع أسعار الكهرباء؟ بالتأكيد هذا الأمر قد نوقش، خاصة أن خبراء الطاقة أكدوا أن أسعارها ستستمر في التصاعد مما يشكل أعباء على دخل المواطنين، على الأقل في الوقت الحالي. لكن وزير الاقتصاد وحماية المناخ الجديد (روبرت هابيك) يقول إن امدادت الطاقة في بلاده ما زالت مضمونة، وإن الوقود الأحفوري متوافر، وهو البديل حتى تستطيع ألمانيا تعويض الكمية المفقودة من مصادر الطاقة المتجددة البديلة للطاقة النووية.

في الوقت الحالي، يوجد على مستوى العالم 439 مفاعلا للطاقة النووية تنتج نحو 16% من إنتاج الكهرباء العالمي. ومع أن هناك دولا حذت حذو ألمانيا إلا أنها تراجعت، مثل السويد التي قررت التخلي عن المفاعلات سنة 1980 بعد إجراء استفتاء شعبي لكنها تماطل الآن في تنفيذ القرار، وأكثر الدول التي تعتمد على الطاقة النووية في العالم هي فرنسا، التي تملك 60 مفاعلا تنتج 77% من الطاقة الكهربائية في البلاد.

معروف أن حكومات الدول التي تستخدم المفاعلات وضعت قوانين دقيقة تحدد نظم العمل فيها من أجل سلامة الناس، كما وضعت شروطا خاصة جازمة لمنح تصريحات بناء المفاعلات، وكذلك معايير للأمان، وتهتم بالمراقبة الدائمة. في الإطار ذاته، تقوم الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا بتقديم المشورة لجميع البلدان التي تريد إدخال الطاقة النووية، ومن حقها التفتيش في مختلف الدول عن المواد الذرية التي تمتلكها.

لكن، رغم كل ذلك فإن مخاطر استخراج الطاقة النووية تبقى معروفة للجميع، وحسنا فعلت ألمانيا طالما لديها القدرة على تعويض تلك الطاقة بأخرى آمنة ونظيفة.

صلاح سليمان على شاشة روسيا اليوم Salah Soliman in an interview about the refugee crisis on the Polish border

الاثنين، 17 يناير 2022

وقت الغروب في شتاء ميونيخ

الأحد، 19 ديسمبر 2021

مقال عن رحلتي إلى وارسو وبوزنان

 

سياحة ثقافية في بولندا!

صلاح سليمان

في مدينة "بوزنان" الواقعة في غرب بولندا، وفي قلب المدينة في ميدان الحرية،  أشار لنا مرافق الرحلة البولندي  تحديدا إلى مبني المسرح الوطني الضخم في المدينة وقال: هذا هو المسرح الشعبي البولندي الذي شيده البولنديون سنة 1875بعد أن جمعوا التبرعات من جموع الشعب لبنائه،  وأرادوا من وراء ذلك أن يكون رمزا لهويتهم في مواجهة المسرح الألماني الذي شيده الألمان إبان احتلالهم للمدينة في عهد القيصر وليم الثاني،  واقتصر دخوله على الألمان فقط ومنع البولنديون من دخوله بحجة عدم معرفتهم باللغة البولندية!



كانت الإمبراطورية الألمانية في عهد وليم الثاني قد ضمت أجزاء كبيرة من بولندا، وتم فرض اللغة الألمانية في المدارس علي الأجزاء المحتلة، وقد يبدو أن هذا الأمر عاديا للبعض في ظل الاحتلال، لكن غير العادي أن ساحة الحرية في "بوزنان" هذه شهدت أول معركة ثقافية في أوربا استمرت أكثر من 120 عام،  حاول فيه الألمان طمس الهوية البولندية، لكن البولنديون كانو يدافعون عن هويتهم ويكرسون جهودا مضاعفة للتمسك بلغتهم وتعليمها لاطفالهم.

 الحقيقة أن ثمة شوارع أو مباني لا يمكن أن تغفلها في رحلاتك،  أو في ذهابك ومجيئك،  فهي تحكي الواقع أكثر من كتاب مفتوح أو من فيلم تسجيلي، وقد تفاجئ بقصص لها دلالة وعمق في الفن والسياسة دون أن تنتبه لذلك،  لهذا كنت شديد الحرص إلى شرح المرافق في ميدان الحرية وهو يشير إلى مباني مختلفة يجمعها كلها ميدان واحد،  لكن لكل واحد منها قصة في مقاومة الغزو والتمسك بالهوية، فهو يقول هكذا عاد البولنديون لجمع مزيد من الأموال وتم بناء المكتبة الوطنية هذه المرة بجوار المسرح الوطني تحديا لسخرية الألمان التي كانت تستهين بهم وبسعة اطلاعهم، واستمرت الحرب الثقافية واستمروا في جمع التبرعات وتمكنوا من بناء المتحف الوطني بعد ذلك بجوار المكتبة، ثم أخيرا أهم مبني ثقافي سمي "البازار" واعتبر رمزا لمقامة الاحتلال بالثقافة والتعليم والحفاظ على الهوية الوطنية آئنذاك،  وكان مقرا للنشاطات الثقافية والتجارية طيلة فترة المقاومة، وفي هذا المبني كانت الاجتماعات  لاتتوقف،  ومن أهما وقتها هو اتخاذ قرار إغراء الطلاب البولنديون الذين كانوا يذهبون للدراسة الجامعية في برلين ولا يعودون بالعودة والحصول علي امتيازات عديدة.





 والآن أصبحت هذه المدينة التي لا يتعدي سكانها النص مليون نسمة بها  ثالث  أكبر الجامعات في بولند وهم يقولون إن بها 8 أكاديميات كبيرة للفن والطب والموسيقي والزراعة وغيرها، وهم فخورون أن المدينة بها تجمع طلابي يصل إلى 130 ألف طالب من كل أنحاء العالم.

لا شك أن التجول في تلك المدينة الصغيرة أنعش الذاكرة بأحداث كثيرة،  ففي ساحة الحرية هناك نصب تذكاري كبير لأول انتفاضة سنة 1956 ضد الحكم الشيوعي في البلاد،  ورغم أن الانتفاضة لم تدم طويلا لأنها لم تستمر أكثر من يومين قامت فيها القوات الروسية معززة بالدبابات، وجنود بولنديون تابعين للنظام الشيوعي من سحق الانتفاضة وقتل 70 فرد بينهم طفل عمره 13 عاما.

الحقيقة أن التاريخ الأوربي به الكثير من التعقيدات الشديدة بسبب الحروب التي لم تتوقف، وصور الحروب تراها في كل مبني وميدان، وفي كل مكان في أوربا،  وفي وارسو رغم أن هناك العديد من النصب التذكارية التي تسجل نشاط المقاومة ضد القوات الغازية وآخرهم كان الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية ثم بعده الاحتلال الروسي،  فإن الفنادق أيضا في العاصمة وارسو تتميز بطابع ثقافي يلفت النظر فهي تعرض الكثير من الفنون داخل الردهات وغرف الضيوف،  ففي إحداها رأيت لوحه أصلية لبيكاسو،  وفي فندق "رافلز أوروبيسكي وارسو" كأن الفندق متحف مفتوح، فحجراته تتميز بوجود مكتبة إضافية بها مجموعة من الكتب المختلفة بعدة لغات، والغريب أن هذا الفندق الذي شيد سنة 1857 أصبح جزء من تاريخ وارسو فهو مزين بلوحات أصلية لفنانين بولنديين معاصرين أو قدماء مثل  آندا روتنبيرغ ، وباربرا بيوفارسكا علي سبيل المثال،  لكن أهم شئ في الفندق أيضا هو تجهيز شرفات خاصة تطل علي ساحة "بليسودسكي" التاريخية وقد زينت بصور تحكي تاريخ الهزائم والانتصارات في بولندا، من هذه الشرفات سيصبح بامكانك متابعة كل مايدور في الساحة لا سيما استبدال الحرس والطقوس المصاحبة لذلك.



 تعجبي كثير المدن تلك المدن التي تحتفظ بالتاريخ في جنبات شوارعها وأزقتها، وهو ما كان واضحا جدا في وارسوا خاصة قلب المدينة القديم، فالقصور القديمة التي تهدمت في الحرب العالمية الثانية تم إعادة بنائها بشكل يحاكي لبنتها الأولي،  وهي مفتوحة للزوار من جنسيات العالم المختلفة للتعرف على تاريخ دولة من أغرب قصص التاريخ في العالم فكلما أعلنت استقلالها من محتل يتم احتلالها من محتل جديد،  أما آخر تلك الاستقلالات هو ما تم سنة 1989 بعد ما تخلصت بولندا من الشيوعية.



 لا يمكن أن تكتفي في وارسو بمشاهدة تاريخ الفنون والحروب والثقافة وألوان الطعام المختلفة المحلية لاسيما حساء الشوربة السوداء المصنوعة من دم البط والتي قد لا تجعلك  تقترب منها عندما تعرف مكوناتها من الدم، أو الشوربة بالبيض داخل الخبز، وألوان عديدة من الأطعمة المختلفة، لكن أيضا لاننسي زيارة بيت العالمة المعروفة ماري كواري" 1867ـ 1934 "التي ولدت فيه وتحول الآن إلى متحف خاص بها وبأبحاثها العالمية،  فهي قد حصلت علي جائزة نوبل مرتين،  واحدة في الكيمياء والآخرى في الفيزياء، وهي العالمة الوجيدة التي حصلت علي نوبل في فرعين مختلفين،  وإليها يرجع الفضل في اكتشاف الاشعة السينية، واكتشاف عنصري البولونيوم الذي سمته علي إسم بلدها وعنصر الراديوم،  وتحت اشرافها تم اجراء أول دراسة لمعالجة الآورام بالنظائر المشعة،  وفي وارسو مازال معهد كوري الذي أسسته واحد من أهم مراكز الأبحاث في بولندا،  عموما يعيد التاريخ نفسه، وبما أننا علي أعتاب توترات جديدة علي الحدود البولندية البلاروسية، والخوف من تعاظم قوة روسيا بما يهدد جيرانها، فالناس لايرغبون في اعطاء رأيهم في الأحداث السياسية الجارية، لأنهم يقولون نحن لانعرف القادم خاصة أن بولندا احتلت أكثر من مرة وقسمت من قبل إلى أربع أجزاء تتبع الدول الأوربية المجاورة فلا أحد يدري كيف سينتهي هذا الصراع الروسي الأوروبي الحالي؟!